الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

330

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ثانيا . وهذا يقتضي أن آية الناقة أرسلت لهم بعد أن كذبوا وهو الشأن في آيات الرسل ، وهو ظاهر ما جاء في سورة هود . ويجوز أن تكون الفاء للترتيب الذكري المجرد وهي تفيد عطف مفصل على مجمل مثل قوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [ البقرة : 36 ] فإن إزلالهما إبعادهما وهو يحصل بعد الإخراج لا قبله . وقوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [ الأعراف : 4 ] ، فيكون المعنى : كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها . ثم فصل ذلك بقوله : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ إلى قوله : فَعَقَرُوها ، والعقر عند انبعاث أشقاها ، وعليه فلا ضرورة إلى اعتبار الظرف وهو : إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها مقدّما من تأخير . وأعيدت عليهم ضمائر الجمع باعتبار أنهم جمع وإن كانت الضمائر قبله مراعى فيها أن ثمود اسم قبيلة . وانتصب ناقَةَ اللَّهِ على التحذير ، والتقدير : احذروا ناقة اللّه . والمراد : التحذير من أن يؤذوها ، فالكلام من تعليق الحكم بالذوات ، والمراد : أحوالها . وإضافة ناقَةَ إلى اسم الجلالة لأنها آية جعلها اللّه على صدق رسالة صالح عليه السلام ولأن خروجها لهم كان خارقا للعادة . والسقيا : اسم مصدر سقى ، وهو معطوف على التحذير ، أي احذروا سقيها ، أي احذروا غصب سقيها ، فالكلام على حذف مضاف ، أو أطلق السقيا على الماء الذي تسقى منه إطلاقا للمصدر على المفعول فيرجع إلى إضافة الحكم إلى الذات . والمراد : حالة تعرف من المقام ، فإن مادة سقيا تؤذن بأن المراد التحذير من أن يسقوا إبلهم من الماء الذي في يوم نوبتها . والتكذيب المعقب به تحذيره إياهم بقوله : ناقَةَ اللَّهِ ، تكذيب ثان وهو تكذيبهم بما اقتضاه التحذير من الوعيد . والإنذار بالعذاب إن لم يحذروا الاعتداء على تلك الناقة ، وهو المصرح به في آية سورة الأعراف [ 73 ] في قوله : وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وبهذا الاعتبار استقام التعبير عن مقابلة التحذير بالتكذيب مع أن التحذير إنشاء ، فالتكذيب إنما يتوجه إلى ما في التحذير من الإنذار بالعذاب . والعقر : جرح البعير في يديه ليبرك على الأرض من الألم فينحر في لبته ، فالعقر